الحلبي
20
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا ، والبراء بالمد لغة : آخر ليلة من الشهر ، سمي بذلك لأنه ولد فيها . ومعرور : معناه لغة : مقصود ، فلما خرجنا من المدينة قال البراء لنا : إني قد رأيت رأيا ما أدري أتوافقوني عليه أم لا ، قال : قلنا وما ذاك ؟ قال : رأيت أن لا أدع هذه البنية أي بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد المثناة تحت المفتوحة ثم تاء التأنيث على وزن فعيلة يعني الكعبة مني بظهر ، وأن أصلي إليها ، قال : قلنا واللّه ما بلغنا أن نبينا صلى اللّه عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام : يعنون بيت المقدس : أي صخرته ، وما نريد أن نخالفه قال : فقال : إني أصلي إليها ، قال : فقلنا له : لكنا لا نفعل ، قال : فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام يعني بيت المقدس : أي واستدبرنا الكعبة ، وصلى إلى الكعبة أي مستدبرا للشام حتى قدمنا مكة وقد كنا عبنا عليه ذلك وأبى إلا الإقامة على ذلك ، فلما قدمنا مكة قال لي : يا بن أخي انطلق بنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا ، فإنه واللّه لقد وقع في نفسي منه شيء ، لما رأيت من خلافكم إياي فيه قال : فخرجنا نسأل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكنا لا نعرفه ، لأنا لم نره قبل ذلك ، فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : تعرفانه ؟ قلنا لا ، قال : فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه ؟ قلنا نعم ، وكنا نعرف العباس ، كان لا يزال يقدم علينا تاجرا ، قال : فإذا دخلتما المسجد ، فإذا هو الرجل الجالس مع العباس ، فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معه ، فسلمنا حين جلسنا إليه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للعباس : هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل ؟ قال نعم ، هذا البراء بن معرور سيد قومه ، وهذا كعب بن مالك ، قال كعب : فو اللّه ما أنسى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الشاعر ؟ قال نعم ، فقال له البراء بن معرور : يا رسول اللّه إني خرجت في سفري هذا وقد هداني اللّه بالإسلام ، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر : يعني الكعبة ، فصليت إليها ، وخالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء ، فما ذا ترى يا رسول اللّه ؟ قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها ، فرجع البراء إلى قبلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهي بيت المقدس : أي ولم يأمره بإعادة ما صلاه مع أنه كان مسلما ؛ وبين له أنه كان الواجب عليه استقبال بيت المقدس ، لأنه كان متأوّلا فليتأمل . وفي هذا تصريح بأنه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه كانوا بمكة قبل الهجرة وبعدها يصلون إلى بيت المقدس قبل أن تحوّل القبلة ، وقد تقدم الوعد بذلك . قال كعب : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العقبة : أي إلى أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم ، أي الذي يقال له مسجد البيعة كما تقدم ، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا ، وذلك في ليلة اليوم الذي هو يوم النفر الأول ، قال : فلما فرغنا من الحج وكانت